محمد بن جرير الطبري

35

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم اللّه الرحمن الرحيم ووضعتهما في السبع الطول فهذا الخبر ينبئ عن عثمان بن عفان رحمة اللّه عليه انه لم يكن تبين له أن الأنفال وبراءة من السبع الطول ويصرح عن ابن عباس أنه لم يكن يرى ذلك منها وانما سميت هذه السور السبع الطول لطولها على سائر سور القرآن وأما المئون فهي ما كان من سور القرآن عدد آية مائة آية أو تزيد عليها شيأ أو تنقص منها شيأ يسيرا وأما المثاني فإنها ما ثنى المئين فتلاها وكان المئون لها أوائل وكان المثاني لها ثواني وقد قيل إن المثاني سميت مثاني لتثنية اللّه جل ذكره فيها الأمثال والخبر والعبر وهو قول ابن عباس ( حدثنا ) بذلك أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن سفيان عن عبد اللّه بن عثمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وروى عن سعيد بن جبير أنه كان يقول انما سميت مثاني لأنها ثنيت فيها الفرائض والحدود ( حدثنا ) بذلك محمد بن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير وقد قال جماعة يكثر تعدادهم القرآن كله مثان وقال جماعة أخرى بل المثاني فاتحة الكتاب لأنها تثنى قراءتها في كل صلاة وسنذكر أسماء قائلى ذلك وعللهم والصواب من القول فيما اختلفوا فيه من ذلك إذا انتهينا إلى تأويل قوله تعالى ولقد آتيناك سبعا من المثاني ان شاء اللّه ذلك وبمثل ما جاءت به الرواية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أسماء سور القرآن التي ذكرت جاء شعر الشعراء فقال بعضهم حلفت بالسبع اللواتي طوّلت * وبمئين بعدها قد أمئيت وبمأن ثنيت فكررت * وبالطواسين التي قد ثلثت وبالحواميم اللواتي سبعت * وبالمفصل اللواتي فصلت قال أبو جعفر رحمة اللّه عليه وهذه الأبيات تدل على صحة التأويل الذي تأوّلناه في هذه الأسماء وأما المفصل فإنها سميت مفصلا لكثرة الفصول التي بين سورها ببسم اللّه الرحمن الرحيم قال أبو جعفر ثم تسمى كل سورة من سور القرآن سورة وتجمع سورا على تقدير خطبة وخطب وغرفة وغرف والسورة بغير همز المنزلة من منازل الارتفاع ومن ذلك سور المدينة سمى بذلك الحائط الذي يحويها لارتفاعه على ما يحويه غير أن السورة من سور المدينة لم يسمع في جمعها سور كما سمع في جمع سورة من القرآن سور قال العجاج في جمع السورة من البناء فرب ذي سرادق محجور * سرت اليه في أعالي السور فخرج بتقدير جمعها على تقدير جمع برة وبسرة لان جمع ذلك بر وبسر وكذلك لم يسمع في جمع سورة من القرآن سور ولو جمعت كذلك لم يكن خطأ في القياس إذا أريد به جميع القرآن وانما تركوا فيما يرى جمعه كذلك لان كل جمع كان بلفظ الواحد المذكر مثل بر وشعير وقصب وما أشبه ذلك فان جماعة كالواحد من الأشياء غيره لان حكم الواحد منه مفردا قلما يصاب فجرى جماعه مجرى الواحد من الأشياء غيره ثم جعلت الواحدة منه كالقطعة من جميعه فقيل برة وشعيرة وقصبة يراد به قطعة منه ولم تكن سور القرآن موجودة مجتمعة اجتماع البر والشعير وسور المدينة بل كل